|
السينما السياسية الأمريكية في دارفور .. فن العرض وبؤس الإخراج |
|
|
|
كتب سودان سفاري
|
|
جندي مشاة البحرية الأمريكية السابق (برايان استيدل)، قال انه أمضى أعواماً ثلاثة منذ العام 2004 في الإعداد والتصوير لفيلم وثائقي حول ما أسماه فظائع الجنجويد في دارفور، وأطلق اسم (الشيطان على صهوة جواد) على الفيلم الذي يجري عرضه في مهرجان للأفلام الوثائقية الآن، ولكن إحدى مخرجي الفيلم وتدعى ريكي شتيرن والوثيقة الصلة بمنظمة يهودية تعمل في هذا المجال قالت أن الفيلم يواجه صعوبات في التوزيع نظرا لإحجام الموزعين عن التعامل مع مثل هذه الأفلام التي لا تجد إقبالاً مثل الأفلام الرومانسية والكوميدية. برايان استيدل قال انه ومنذ العام 2004 أرسل رسائلاً عدة عن الفظائع التي تجرى في دارفور، وقال بعد عرض الفيلم "لقد رأوا الآن ما يحدث ولكن ما زلنا لا نفعل شيئاًَ". وقد استغل استيدل وجوده كمراقب بقوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في دارفور ليكتب تقارير ويلتقط صور كثيرة حسب زعمه، عما كان يجري هناك. ولا شك أن قصة هذا الفيلم الوثائقي و الهدف المقصود من ورائه والجهد الاستخباري الذي بذل فيه، يشير أول ما يشير إلى الطريقة التي ظلت واشنطن تتعامل فيها بشأن الأزمة في دارفور، ويبدو أن النمط الأمريكي القائم على ثقافة وفلسفة السينما، والميل إلى التأثير على الرأي العام عن طريق فنون العرض السينمائي على الشاشة، أصبح من الوسائل السياسية الهامة لدى الإدارة الأمريكية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية الخاصة بها. ومن المفروغ منه، أن إقليم دارفور ومنذ اندلاع الحرب فيه شهد مواجهات وأحداث عنيفة، وسقط قتلى وجرحى ونازحون، هذا أمر معروف ولا ينكره احد، ولكن بالمقابل فإن الأمر الذي لا يملك الفيلم الوثائقي المزعوم الإجابة عليه، وهو كيف استطاع برايان تحديد ما يسمى بالجنجويد إذ لا يتصور عقل أن يأتي هؤلاء الجنجويد بأنفسهم ويعرفونه بأنفسهم ثم يدعونه لتصويرهم وهم يرتكبون فظائعهم، كما لا يعقل أن يكون كل منتمي إلى دارفور يركب جواداً، هو من الجنجويد، كما أن الجنجويد بحسب ما هو متعارف عليهم في دارفور ليسوا قبيلة أو جهة جهوية بعينها فهم خليط من القبائل والسحنات ولا يدينون بالولاء لأحد، هذا كله على افتراض أن جندي البحرية السابق كان يتجول في كافة مناطق دارفور، ويدخل في غمار المعارك، ويتمكن من بين مخاطر المواجهات والفظائع من تصوير الصور التي يريدها بهذه البساطة. وتكمن اكبر مفارقة في هذا الصدد، أن السينما الأمريكية المعروفة بممارستها الإعلامية هذه وخدمتها للأهداف الأمريكية الصهيونية لم تجرؤ حتى الآن لإخراج أفلام وثائقية عما يجري في العراق، ولم يتحدث المثال رايان استيدل هذا عن سنوات قضوها هناك ليرسموا على الأقل للشعب الأمريكي ما يجري بواسطة جيشه في ارض العراق، والفخاخ التي تنصب للمدنين الأبرياء وما يجري داخل المعتقلات، سواء في سجن أبو غريب الشهير أو في غيره من المعتقلات الخفية الأخرى. لقد كان مثل هذا العمل جديرا بالاحترام لو أن بذات المصداقية حدث ذات الشئ في العراق، أو أن واشنطن نفسها كانت بريئة من أي أجندة خاصة بها تود استغلال أزمة دارفور للوصل إليها، ولكن للأسف الشديد، الفيلم نفسه لم يزد عن كونه فيلما سياسياً على طريقة العرض السينمائي الأمريكي في دور العرض السياسي الواقعي حول العالم.
|